أبي منصور الماتريدي

441

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الاعتزال ، وما يلزمهم في قوله : أَغْوَيْتَنِي يلزم في قوله : لعنتني ؛ لأن اللعن : هو الطرد ؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله ، فالطرد « 1 » والإغواء والإضلال سواء ؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء . وقال أبو بكر الأصم : الإغواء واللعن من الله : شتم ، لكن هذا بعيد ، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم ؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق ؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم . وأصله : أن قوله : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه ؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال . وقوله : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ : كأنه يقول : ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم ، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم . فإن قيل : قوله : أَغْوَيْتَنِي قول إبليس ؛ وهو كاذب بالإضافة إليه . قيل : لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذبا لكذبه فيه ، ورد عليه [ قوله ] « 2 » ، كما كذبه في قوله ورد عليه : أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا ؛ حيث قال : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها [ الأعراف : 13 ] فلما لم يردّ عليه ؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [ إضافة الإغواء إليه ] « 3 » والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ ص : 76 ] إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه ؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما « 4 » خلق آدم ؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر . وأما قوله : أَغْوَيْتَنِي ليس على ذلك ، فلا يحتمل ألا يكذبه ، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذبا فيه ؛ لأنه فعل شر أضافه إليه ، إذا لم يكن منه الإغواء ؛ لذلك اختلفا ، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذبا فما تصنعون بقول نوح - عليه السلام - حيث قال : إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : 34 ] وقول موسى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] . ثم قوله : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر ، دون أن تفوّه بذلك ، فأخبر - عزّ وجل - عنه ما كان عزم ؛ من الإغواء وغيره بالقول ، وذلك جائز ؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول ؛ كقوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان : 9 ] لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم ؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند

--> ( 1 ) في أ : في الطرد . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : عليه صرف الإغراء دل أن الإضافة إليه الإغواء . ( 4 ) في أ : ما .